محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

218

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وأما القسم الثاني : وهو الذي يشهد ما منّ اللّه إليه ، فهو وإن كان خيرا من القسم الأول ، لكنه ما سلم من إثبات لنفسه إذ رأى نفسه مهداة إليها هدايا الحق ، فلو لا إثباته لنفسه ما شهد ذلك ، فلأجل هذين المعنيين آثر أهل اللّه تعالى القسم الثالث ، وهو أن يكون بشهود ما منّ اللّه إلى اللّه . فافهم » انتهى كلامه رحمه اللّه ، ولأجل ما تضمنه من الفوائد الجليلة والمقاصد النبيلة ، دعانا قرب المناسبة إلى ذكره على ما هو عليه في هذا الموضع ، واللّه الموفّق ولا ربّ غيره . تسبق أنوار الحكماء أقوالهم ، فحيث صار التنوير وصل التعبير . الحكماء : هم العارفون باللّه تعالى ، العالمون به ، والأنوار المنسوبة إليهم ، هي : أنوار معرفتهم ، وهي قوّة يقينهم ، فإن الأمور كلها بيد اللّه تعالى ، لا شريك له فيها ، فإن أرادوا إرشاد عباد اللّه تعالى ونصيحتهم بإذن من اللّه تعالى سبقت أنوار قلوبهم إلى اللّه تعالى باللجاء والافتقار إليه ، في أن يتولى لهم أمر قلوب عباده ، بأن يجعل فيها أهلية واستعدادا لقبول ما يريدون إيراده عليهم من كلام الحكمة ، فيجيبهم إلى ذلك ، فإذا تكلموا به تلقته قلوبهم التي وصل إليها أنوار أسرار الحكمة ، كما تتلقى الأرض الميتة وابل المطر فينتفعون بذلك أتمّ انتفاع ، وقد أوصى لقمان الحكيم ابنه فقال : يا بني ما بلغت من حكمتك ؟ قال : لا أتكلّف ما لا يعنيني . قال : يا بني ، إنه قد بقي شيء آخر : جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك ؛ فإن اللّه يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة ، كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء » . وإنما قلنا : إن الحكماء هم العارفون باللّه تعالى ، العالمون به ، لأنهم خائفون من اللّه تعالى ، وفي بعض الآثار : « رأس الحكمة مخافة اللّه » « 1 » . والخوف من ثمرات العلم باللّه ، وقد قال اللّه تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] والعلم الموجب للخشية هو العلم باللّه فقط ؛ فالحكماء هم العالمون باللّه تعالى ؛ وإن كانوا ضعفاء في سائر العلوم الرسمية ، كليلة ألسنتهم في البيان عنها . كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز . اللسان ترجمان القلب ، فإذا صفا من الأكدار ؛ وتزكى من الأغيار ، وأشرقت فيه

--> ( 1 ) أخرجه السيوطي في ( الدرر المنثور 2 / 225 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 8 / 448 ، 9 / 211 ) ، والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 4 / 58 ) ، والشهاب في ( المسند 55 ، 116 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 5873 ) ، والعجلوني في ( كشف الخفاء 1 / 352 ، 507 ) .